نخبة من الأكاديميين
52
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ومن ناحية أخرى ، خلط رجال الكنيسة الشرقية بين العرب والمسلمين ؛ فقد وصفوا المسلمين بأنهم أبناء إسماعيل على الرغم من أن المسلمين كانوا من العرب ومن غير العرب ، إذْ اعتمد أولئك القساوسة المسيحيون على روايات العهد القديم في ما يخص أنساب العرب ، وعمموا التسمية على المسلمين جميعًا . وهناك تقسيم للأنساب العربية لدى العرب أنفسهم لا يجعل العرب جميعًا من نسل إسماعيل وهاجر ، وإنما يجعل هذا القسم من العرب المستعربة ، في حين يشير إلى قسم أقدم هم العرب العاربة . وعلى سبيل المثال ، فإن بنيامين بطريرك الأقباط الأرثوذكس في مصر زمن الفتح الإسلامي ، وقد كان هاربًا في كهوف الصحراء من الاضطهاد البيزنطي ، طلب من أتباعه مساعدة « الإسماعيليين » لأن مشيئة الرب اقتضت انتصارهم على الروم . كما أن أحد الرهبان النساطرة زعم أن المسلمين أحفاد إسماعيل ، وأنهم يعبدون رب إبراهيم الواحد . هذا الخلط والارتباك الذي ميز كتابات المسيحيين في هذه الفترة الباكرة ، كان ناجمًا عن عدم فهم حقيقة الإسلام ، وعدم إدراك كونه ديانة سماوية جديدة لاتنكر ما سبقها في اليهودية والمسيحية من ناحية كما كان ناجماً عن عدم الاهتمام بظهور الإسلام وما ترتب عليه من تطورات سياسية وعسكرية في شبه الجزيرة العربية من ناحية أخرى . ولم يبدأ المسيحيون في إدراك حقيقة الدين الجديد ، والقوة السياسية - العسكرية التي تبلورت حوله إلا عندما بدأت معارك حركة الفتوح الإسلامية لكي تستمر على مدى ما تبقى من القرن السابع ، وتمتد إلى القرن الثامن . وهنا لابد من أن نفرق بين موقف المسيحيين الذين بقوا في المناطق التي خضعت لحكم المسلمين ، وبين موقف أولئك المسيحيين الذين بقوا تحت الحكم البيزنطي ، أو أولئك المسيحيين الغربيين الذين كان الإسلام بالنسبة إليهم شيئًا غريبًا وبعيدًا . فبالنسبة إلى المسيحيين الذين خضعوا للحكم الإسلامي كانت المعاملة الطيبة التي عاملهم بها المسلمون ، بعد استقرار الحكم وانتهاء القتال بما يصحبه بالضرورة من تدمير وقتل ، قد أثرت على مواقفهم وكتاباتهم . وربما يمكن للبعض أن يجادلوا بأن أولئك الكتاب كانوا تحت السيطرة الإسلامية ، ومن ثم كان من الطبيعي أن يحتززوا لأنفسهم بحيث يتخذون مواقف معتدلة نسبيًا . ولكننا نرى أنه بالنسبة إلى ما هو معروف من حقائق الصراع بين الدولة البيزنطية والمسيحيين المونوفيزيتيين أنصار الطبيعة الواحدة في بلاد الشام ومصر ، وبين غيرهم من الجماعات المسيحية حول شواطئ المتوسط قبل الفتح العربي ، كان المسيحيون الشرقيون أسعد حالًا تحت الحكم الإسلامي ؛ ومن ثم جاءت مواقفهم تجاه سادتهم الجدد من المسلمين أكثر اعتدالًا . وعلى الرغم من أنهم قد رفضوا الإسلام ، وبقوا على ديانتهم المسيحية ، فإن النغمة العدائية في آرائهم لم تكن في مثل حدة مواقف المسيحيين البيزنطيين ، أو المسيحيين في غرب أوروبا . ويرى بعض الباحثين أن هذا الانطباع ربما يكون ناجمًا عن حقيقة أن عددًا قليلًا فقط من الكتابات المسيحية هي التي نجت من عوادي الزمان ؛ بيد أن الكتاب المسيحيين الذين عاشوا تحت الحكم الإسلامي في تلك الفترة المتقدمة كانت لهم تجربة مباشرة مع المسلمين ، وإن لم تكن لديهم القدرة على